أقلام حرة

الصين تحتفل بانتصارها التاريخي والرئيس شي: السلام طريق المستقبل

أ.د. حسن عبدالله الدعجه
استاذ الدراسات الاستراتيجية بجامعة الحسين بن طلال
في الذكرى الثمانين لانتصار حرب المقاومة الشعبية الصينية ضد العدوان الياباني والحرب العالمية ضد الفاشية، ألقى فخامة الرئيس شي جين بينغ كلمة تاريخية في بكين جسدت حكمة القيادة الصينية وعمق رؤيتها لماضيها وحاضرها ومستقبلها. لم يكن الخطاب مجرد تذكير بحدث عسكري مضى، بل كان رسالة إنسانية وسياسية تعكس إصرار الصين على أن تكون قوة للسلام والازدهار المشترك، ودعوة للعالم للتمسك بالعدالة والتعاون من أجل مستقبل أكثر إشراقًا.
الرئيس شي شدد منذ البداية على أن النصر الذي تحقق قبل ثمانين عامًا لم يكن نصرًا للصين وحدها، بل كان إنجازًا إنسانيًا مشتركًا أسهمت فيه قوى العالم المناهضة للفاشية. بهذه الروح التشاركية، أعاد التأكيد على الامتنان العميق لكل الشعوب التي وقفت إلى جانب الصين في تلك الحقبة العصيبة، في إشارة واضحة إلى أن بكين لا ترى نفسها بمعزل عن العالم، بل كعضو فاعل في المجتمع الدولي، يثمّن التضامن ويرى فيه أساسًا لبناء المستقبل.
الحكمة التي تميز بها خطاب الرئيس ظهرت في عبارته اللافتة بأن “القوة قد تحكم في اللحظة، لكن الحق ينتصر إلى الأبد”. بكلمات قليلة، رسم الرئيس معادلة صينية ثابتة: الصعود الصيني ليس هيمنة، بل التزام بالعدالة الدولية ورفض لشريعة الغاب. وهنا يرسل رسالة طمأنة للعالم بأن الصين، رغم قوتها الاقتصادية والسياسية المتصاعدة، ستظل متمسكة بمسار التنمية السلمية، وأن قوتها ستكون سندًا للاستقرار وليس تهديدًا له.
كما أبرز الرئيس شي أن الشعب هو صانع التاريخ، وأن طموح جميع الأمم واحد: حياة أفضل. بهذا الربط بين التطلعات المحلية والإنسانية، وضع أساسًا لمفهوم “مجتمع المصير المشترك للبشرية” الذي تتبناه الصين. فهي لا تكتفي بالتركيز على رفاهية شعبها، بل تقدم رؤيتها للعالم كشريك في التنمية، وتسعى إلى أن يكون التقدم الاقتصادي والتكنولوجي الصيني فرصة للعالم بأسره.
ولعل ما أعطى الخطاب بعدًا إنسانيًا عميقًا هو دعوة الرئيس للحفاظ على السلام باعتباره السبيل الوحيد لتجنب مآسي الماضي، مؤكدًا أن التحديث الصيني يلتزم بمسار سلمي يبتعد عن الصدام ويفتح آفاق التعاون. هذا الطرح يعكس النضج السياسي والحكمة الاستراتيجية لقيادة تدرك أن العالم لم يعد يحتمل الصراعات الكبرى، وأن التنمية لا تتحقق إلا في بيئة مستقرة يسودها الحوار والوئام.
في ختام كلمته، دعا الرئيس شي الحضور إلى رفع نخب للنصر التاريخي وللمستقبل المشترك المشرق، جامعًا بين الاعتزاز بالماضي والثقة بالمستقبل. هذه اللفتة الرمزية جسدت فلسفة صينية متوازنة ترى أن الاحتفال بالنصر لا يعني التوقف عنده، بل تحويله إلى التزام متجدد بالسلام والعمل المشترك.
بهذا الخطاب، أثبت الرئيس شي جين بينغ مرة أخرى أن الصين بقيادته لا تسعى فقط لأن تكون قوة اقتصادية صاعدة، بل تطرح نفسها كقوة حضارية مسؤولة تحمل رسالة إنسانية للعالم: أن السلام هو أقصر طريق إلى الازدهار، وأن التضامن الدولي هو الضمانة لمستقبل يليق بالبشرية جمعاء.

زر الذهاب إلى الأعلى