
حين يُسند الأمر إلى غير أهله
الدكتور ناصر أبو رمان
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة».
ليس المقصود بالساعة هنا قيام القيامة فحسب، بل هو إنذار مبكر بانهيار الموازين، واختلال القيم، وفساد الأحوال، حين تُنزع المسؤوليات من أصحاب الكفاءة وتُمنح لمن لا يملك القدرة ولا الأمانة.
إن من أعظم أسباب تراجع الأمم أن يُوضع الرجل غير المناسب في المكان غير المناسب، فيتولى القيادة من يجهل أصولها، ويتصدر المشهد من لا يملك أدواته، بينما يُقصى أصحاب العلم والخبرة والكفاءة. فلا عجب بعد ذلك أن تضطرب القرارات، وتتعثر المؤسسات، وتفقد المجتمعات بوصلتها.
لقد أصبحنا نعيش زمنًا اختلطت فيه الأصوات، حتى غدا كل إنسان خبيرًا في السياسة، ومنظرًا في الاقتصاد، ومستشارًا في التجارة، وحكمًا في قضايا الاجتماع، دون علم راسخ، أو دراسة متخصصة، أو تجربة معتبرة. وأصبحت منصات التواصل والمجالس العامة ساحاتٍ تُتداول فيها أخطر القضايا بمنطق الانطباع لا البرهان، وبالعاطفة لا المعرفة، حتى استوى عند كثير من الناس قول العالم ورأي الجاهل.
إن احترام التخصص ليس ترفًا فكريًا، بل هو أساس العمران وأحد شروط النهضة. فكما لا نقبل أن يجري عمليةً جراحية من لم يدرس الطب، فلا ينبغي أن تُدار شؤون السياسة والاقتصاد والمجتمع بألسنة من يفتقرون إلى العلم والخبرة. فلكل فن رجاله، ولكل ميدان أهله، ومن تجاوز ذلك أفسد أكثر مما أصلح.
وما يزيد المشهد خطورة أن الغث أصبح يغلب السمين، وأن الشهرة باتت تتقدم على الكفاءة، وأن كثرة المتابعين أصبحت عند البعض شهادة خبرة، بينما تُهمَّش العقول الراجحة وأصحاب التجارب الطويلة. وحين يصبح الضجيج أعلى من الحكمة، والادعاء أقوى من المعرفة، تضيع الحقائق في زحام الآراء، ويتيه الناس عن الطريق.
إن الأمة التي لا تميز بين العالم والجاهل، ولا بين الخبير والمدعي، ولا بين صاحب الإنجاز وصاحب الضجيج، أمة تسير بلا بوصلة. وما ضياع البوصلة إلا بداية الضياع الأكبر؛ إذ تختلط الأولويات، وتنعكس المعايير، ويُكافأ غير المستحق، ويُهمَّش المستحق، فتذبل روح الإبداع، ويهاجر الفكر، ويحل التقليد محل الاجتهاد.
ولن تستقيم الأحوال إلا إذا عاد الميزان إلى نصابه؛ فيُقدَّم الأكفأ، ويُكرَّم صاحب العلم، ويُحترم التخصص، وتُسند المسؤوليات إلى أهلها. فالأمم لا تُبنى بالشعارات، ولا تنهض بكثرة المتحدثين، وإنما تنهض حين يكون كل امرئ في مكانه الذي يحسن أداءه، وحين يصبح معيار الاختيار هو الكفاءة والأمانة، لا المجاملة والمصلحة.
إن حديث النبي صلى الله عليه وسلم ليس مجرد موعظة تُتلى، بل هو قانون حضاري خالد؛ فحيثما أُسند الأمر إلى أهله قامت الدول وازدهرت الحضارات، وحيثما أُسند إلى غير أهله بدأ العد التنازلي لانحدار الأمم، وضاعت البوصلة بين الناس.







