القيادة فن … ذوق … والأهم أخلاق
داود شاهين
القيادة ليست مجرد مقود يُدار أو آلية تحرك مركبة في زحام الطرقات، بل هي مرآة حقيقية لجوهر الإنسان، ومقياس دقيق لمدى احترامه للأنظمة، وصبره في مواطن الضيق، ومراعاته لسلامة المحيطين به. وحين نردد العبارة الخالدة “القيادة فن… ذوق… والأهم أخلاق”، يتبادر إلى الأذهان للوهلة الأولى صخب الشوارع وطوابير الازدحام، غير أن الحقيقة أعمق بكثير وأوسع نطاقاً؛ فهي قواعد تتجاوز حدود الأسفلت لتلامس تفاصيل حياتنا اليومية وأخلاقنا العامة.
فخلف مقود السيارة، تسقط الأقنعة وتختفي مساحيق المجاملة. الصبر وسط طوابير الازدحام الطويلة، وإفساح الطريق لسائق متعجل، واحترام حقوق المشاة، ليست مجرد قواعد سير جافة، بل هي ترجمة عمليّة لمدى نضج الشخصية الإنسانية وقدرتها على تغليب روح الجماعة على الأنانية الفردية. إنها اللحظات التي يتحول فيها الزجاج الأمامي للسيارة إلى نافذة فاضحة لمدى تحكمنا بأعصابنا وإدارتنا لضغوط الحياة.
وحين نتأمل هذا المفهوم في أبعاده الأوسع، نجد أنه يشكل صمام أمان مجتمعي يسهم في نزع فتيل التوتر العام وخلق بيئة أكثر أمناً وراحة للجميع. السائق أو الإنسان الذي يختار الهدوء بدلاً من التهور، والذوق بدلاً من التدافع، لا يحمي روحه وسلامة من حوله فحسب، بل يمنح الشارع والمجتمع طاقة إيجابية وأمناً نفسياً ينعكس على إيقاع الحياة بأكمله.
في نهاية المطاف، تظل القيادة بكل أبعادها التزاماً أخلاقياً مستمراً. وكلما ارتقى الإنسان بذوقه وأخلاقه، ترك أثراً طيباً ومستداماً، مذكراً الجميع بأن الإنسانية تبدأ حين نحترم الفسحة المشتركة التي تجمعنا مع الآخرين، على أسفلت الطريق وفي مسارات الحياة ذاتها.
حمى الله الأردن و الأردنيين







